سيد محمد طنطاوي
483
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل : آمنت بموسى - عليه السلام - لما غلب السحرة ، وتبين لها أنه على الحق . ولم تضرها الوصلة بالكافر ، وهي الزوجية التي هي من أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ، لأن كل امرئ بما كسب رهين . . وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أنه قال : كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : مريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى اللَّه عليه وسلم وآسية بنت مزاحم ، امرأة فرعون . قيل : إنها إسرائيلية وأنها عمة موسى . وقيل إنها ابنة عم فرعون . . ومن فضائلها أنها اختارت القتل على الملك ، وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه - بعد أن خالط الإيمان قلبها « 1 » . أي : وجعل اللَّه - تعالى - حال امرأة فرعون ، مثلا للمؤمنين ، حيث آمنت بالحق بعد أن تبين لها ، دون أن يصرفها عن ذلك أي صارف ، فكان ما فعلته في أسمى درجات الإخلاص وصدق اليقين . . والظرف في قوله : * ( إِذْ قالَتْ . . . ) * متعلق بمحذوف ، أو بقوله : * ( مَثَلًا ) * . أي : وضرب اللَّه - تعالى - مثلا للذين آمنوا ، حال امرأة فرعون وقت أن قالت * ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ ) * أي : ابن لي بيتا في مستقر رحمتك ، أو في جنتك التي لا يستطيع أحد التصرف فيها إلا بإذنك . وقوله : * ( فِي الْجَنَّةِ ) * بدل أو عطف بيان لقوله - تعالى - * ( عِنْدَكَ ) * وقدم عندك ، للإشعار بأن محبتها للقرب من رحمته - تعالى - أهم من أي شيء آخر . * ( ونَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وعَمَلِه ) * أي : ونجني من طغيان فرعون ، ومن عمله الذي بلغ النهاية في السوء والقبح . . * ( ونَجِّنِي ) * - أيضا - من القوم الظالمين ، وهم أتباع فرعون وحاشيته وملؤه ، وشيعته . . وفي هذا الدعاء أسمى ألوان الأدب ، فهي تسأل اللَّه - تعالى - أن يعوضها عن دار فرعون ، دارا في أعلى درجات الجنة . . .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 371 .